لا لطمس وتذويب وكالة النهوض بالصناعة والتجديد

22

لا لطمس وتذويب وكالة النهوض بالصناعة والتجديد

تبعا للمخاض الترتيبي الحاصل عقب المصادقة على مشروع القانون الجديد للاستثمار ولا سيما اعداد النص التطبيقي المتعلق بمشروع الهيئة التونسيّة للاستثمار المزمع احداثها وما يكتنف هذا المخاض من غموض يعمّق الحيرة بخصوص مستقبل الدور الوطني لوكالة النهوض بالصناعة والتجديد والهياكل والوكالات الأخرى المعنيّة والمستثمرين بصفة خاصّة، فإنّ الهياكل الاجتماعية الممثلة لأعوان الوكالة في مختلف جهات البلاد تنير الرأي العام بما يلي:

حيث تعدّ وكالة النهوض بالصناعة والتجديد ورغم توتر الأجواء الاجتماعية بدرجات متفاوتة في السنوات الأخيرة مثالا للاستقرار الاجتماعي حيث لم تشهد هياكلها المركزيّة والجهويّة والتي تناهز 50 هيكلا من إدارات جهوية ومحاضن مؤسسات ولو إضرابا واحدا. وحيث تعتبر هذه المؤسسة الوطنيّة منذ تأسيسها سنة 1972 كوكالة للنهوض بالاستثمارات أحد النماذج الناجحة على صعيد تفكيك البيروقراطيّة وهو ما تدعّم خلال أكثر من 40 سنة وخاصّة خلال الفترة الأخيرة التي شهدت تفعيل دليل إجراءات جديد يمكّن من صرف امتيازات الاستثمار في أجل لا يتجاوز الشهر الواحد وبعث مؤسسة في غضون 24 ساعة وهو ما ينضاف إلى عديد المكاسب السابقة ومن ذلك أنّ الوكالة كانت أوّل مؤسسة عموميّة تنجز شبّاك موحّد يضمّ كلّ المتدخلين منذ سنة 1989 وذلك بهدف تقريب الخدمات من الباعثين.

وحيث تعدّ نسبة التأطير في وكالة النهوض بالصناعة والتجديد من أعلى النسب في تونس حيث تعادل 75 بالمائة ممّا يؤهلها بامتياز لمواصلة الاضطلاع بدور أساسي في تأطير وتحفيز الاستثمار في هذا الظرف الذي تحتاج فيه تونس إلى خبرات وكفاءات عالية لكسب رهان استكمال الانتقال الاقتصادي خصوصا وأنّ أكثر من 70 بالمائة من اجمالي حجم الاستثمار الخاص بتونس يمرّ عبر وكالة النهوض بالصناعة والتجديد.

وحيث أنّ الإشعاع الكبير الذي اكتسبته الوكالة على الصعيد العالمي منذ تأسيسها خلال سنة 1972 جعلها بوابة لنقل التكنولوجيا واستقطاب الاستثمار كما بوّأها لأن تكون مثالا احتذت به عديد الدول الأوروبيّة والعربيّة والإفريقيّة من خلال الاستلهام من تجربها لتركيز وكالات مماثلة وشبابيك موحدة للنهوض بالاستثمار في بلدانها.

وبالرجوع إلى النصّ الترتيبي الجديد المتعلّق بمهامّ الهيئة التونسيّة للاستثمار لاحظنا عدم وجود مهام جديدة للهيئة خارج المهام التي دأبت على القيام بها واكتسبت فيها وكالة النهوض بالصناعة والتجديد الخبرة منذ ما يزيد عن أربعة عقود وهذا ما من شأنه أن ينتج تداخل في لأدوار والمسؤوليّات ممّا يمكنه أن يتسبّب في إرباك جهود الحكومة الهادفة إلى إنعاش الاستثمار بوصفه المحرّك الأوّل للنموّ الاقتصادي والرقيّ الاجتماعي.

إضافة إلى هذا، فإنّ الغموض الذي يتسم به هذا التوجّه من شأنه أن ينال من عزائم إطارات وأعوان وكالة النهوض بالصناعة والتجديد في وقت يشهد تحسّنا ملحوظا لمؤشرات الاستثمار رغم الظرف الدقيق الذي تمرّ به البلاد ومن ذلك تطوّر إجمالي الاستثمارات المصرّح بها بنحو 30 بالمائة خلال الأشهر العشرة الأولى من هذا العام ونموّ تصاريح الاستثمار الأجنبي بما يزيد عن 80 بالمائة خلال نفس الفترة.

وانطلاقا من أهميّة الرهانات الاقتصادية للبلاد ووعيا بالآثار الوخيمة المحتملة لتذويب الوكالة على مسار التنمية في البلاد وحظوظ انعاش الاقتصاد الوطني، ووعيا بصعوبة تجسيم أحكام ومقتضيات النصوص التطبيقيّة الجديدة وضمان نجاعتها خارج أطر العمل لمختلف الهياكل والوكالات المعنيّة بالاستثمار فإن الهياكل الاجتماعية لوكالة النهوض بالصناعة والتجديد لا يسعها إلاّ أن تعبّر عن مخاوفها من المآل المتسم بالغموض خاصّة وأنّ الدور التاريخي للوكالة وحجم نشاطها وخبرة إطاراتها وأعوانها يؤهّلها لأن تكون النواة الأساسيّة للهيئة الجديدة المزمع احداثها.